الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

25

نفحات القرآن

3 - ونقرأ خطاب اللَّه لنبيّه داود عليه السلام : « يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفةً فِى الأَرْضِ فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ » . ( ص / 26 ) وتبيّن هذه الآية بوضوح النتيجة المرجوّة للخلافة والحكومة في الأرض وهي احقاق الحقوق ، أو ما يُعَرفُ بالحدّ من الاعتداء والتعدّي على حقوق الآخرين وأخذ حق الضعفاء والمحرومين من الأقوياء والمترفين . وبديهيٌّ أنّ هدف حكومة النبي داود عليه السلام وأنبياء بني إسرائيل الآخرين لم يكن هذا فحسب ، بل إنّه أحد الأهداف لايّة حكومة في ايّ مكان وزمان . وصحيحٌ أنّ عبارة ( الحكم ) الواردة في القرآن الكريم تعني أغلبها ( القضاء ) ولكن وبعد ملاحظة أنّ الشطر الأول من الآية يتحدّث عن الخلافة في الأرض ، يتّضح أنّ أيّ نوع من الحكم بالعدل مشمول في مضمون الآية ككل ، مضافاً إلى ذلك فانَّ القضاء هو شأن آخر من شؤون الحكومة ، وقد ورد ما يشبه هذا المعنى في سورة النساء حيث يقول تعالى : « انَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُم ان تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمَتُم بَينَ النَّاسِ انْ تَحكُمُوا بِالعَدلِ » . ( النساء / 58 ) ولقد ورد في روايات كثيرة في تفسير هذه الآية صراحة أنّ المقصود من هذه الأمانة هو مقام الولاية والتي يُؤدّيها كلُّ إمام إلى الإمام الذي يليه ، وإن كان المعنى العام لها يشمل باقي أنواع الأمانات كذلك ، « 1 » وبالأخص ما ورد في بعض الروايات من أنّ المخاطب في الآية هم الحكّام والامراء ، « 2 » ويدلّ ذلك على أنّ المراد بالحكومة العادلة في الآية المذكورة ليس القضاء فحسب ، بل يشمل كلّ نوع من أنواع الحكم العادل . 4 - إنّ جميع الآيات والرّوايات التي تذكر هدف بعثة الأنبياء على أنّه تعليم وتربية وتزكية النفوس وإقامة القسط بين الناس ورفع الأغلال وتحطيم القيود ، فإنّها في الواقع تبيّن أهداف تشكيل الحكومات الإلهيّة ، لأنَّ هذه الحكومات هي مقدمة ووسيلة لضمان أهداف

--> ( 1 ) تفسير نورالثقلين ، ج 1 ، ص 495 و 496 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 249 ؛ بحار الأنوار ، ج 23 ، ص 274 فمافوق . ( 2 ) تفسير البرهان ، ج 1 ، ص 380 ( أنّه خاطب بها الحكام ) .